شبكة الإسلام ركن الآداب والأخلاقفضائل الأعمال
 

آداب النصيحة

كيف تنصح أخاك؟
كيف تقدم له النصيحة؟
أرسل الله موسى عليه السلام وهارون فقال لهما: ((فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى))، أي فرعون .
قال أبو أيوب و علي كما نقل ذلك ابن كثير في تفسيره ، ونقل عن سفيان الثوري : القول اللين هو أن يكنياه بكنيته -يعني: إذا أتيتم إلى فرعون فقفا في البلاط الملكي وتكلما معه بكلمة حانية لا تجرحا شعوره- فالرجل عاش على الملك، والرجل طاغية، والرجل مجرم، فإن جرحتم مشاعره لن يهتدي أبداً.
فدخل موسى وكان يتلعثم في الكلام، وقال: يا أبا مرة ، وهذه تفتح الصدر، وأنت مثل نفسك أن رجلاً يدعوك فيقول يا أبا عصام، يا أبا أنس -ينفتح صدرك - قال عمر : [ثلاث تكتب الود لك في صدر أخيك: أن تدعوه بأحب الأسماء إليه، وأن توسع له في المجلس، وأن تبدأه بالسلام].
قال الشاعر اليمني:

أكنيه حين أناديه لأكرمه ولا ألقبه والسوءة اللقب


كذلك أدبت حتى صار من خلقي إني وجدت ملاك الشيمة الأدب


أتجرحني لتنصحني؟
أتشتمني لتردني؟
أتفضحني لتهديني؟
أنا لن أطيعك ولن أوافقك، لأن مشاعر الإنسان لا تعيش إلا على الرضوان، والإنسان لا بد أن تشعره بمكانته وبفضله وبحسناته.
المهم: أطاع موسى و هارون ربهما في ذلك.. فنصحا فرعون ، ولكنه لم يستجب. فكانت القصة المعروفة.
فمن آداب النصيحة الإخلاص:
أهل السنة والجماعة في الجملة يريدون بعملهم وجه الله، يتكلمون لله، ويعملون لله، ويأمرون وينهون لله الواحد الأحد.
((وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ * بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ)).
فالواجب أن تخلص في نصيحتك وأن تقصد بها وجه الله، لأن من الناس من يريد. بالنصيحة الظهور أو الشهرة.
لأن المثل يقول: (خالف تعرف)، وبعض الناس يريد أن يركب فوق كتفيك ليجعلك أنت جثماناً يصعد عليه ويقول: ها قد أصبحت أرشد، وأصبحت أوجه، وأصبحت أعلم، وأصبحت أنصح.
وبعض الناس يريد بالنصيحة أن يشفي غلاً في قلبه من حسد. حسد هذا الرجل أو هذا الجيل، أو هذا الكيان، أو هذه المؤسسة، فقام على رؤوس الناس ينقدها ويجرحها ويفضحها، فيقول الناس: جزاك الله خيراً من ناصح. وفي قلبه غليان على هؤلاء، لا يريد الخير، ولا يريد لهم التوفيق وإنما البغي والحسد.
فيا مسلم، اعلم أن أهل السنة والجماعة في باب النصيحة لهم طريقان: نصيحة الخاصة للخاصة، ونصيحة العامة للعامة. والخاصة: هم قوم لهم مسؤولية خاصة كولاة الأمر.
فهدي أهل السنة أن ينصحوهم في آذانهم بلا فضيحة، ولذلك كان أحمد ينصح المعتصم بينه وبينه.
وصح أن أسامة رضي الله عنه وأرضاه قال له الناس: [يا أسامة ألا تكلم هذا -أي عثمان رضي الله عنه- فقال أسامة : أتظنون أني كلما نصحته أخبرتكم؟
] أيلزم العالم أو طالب العلم أو الداعية أنه كلما نصح مسؤولاً أو وجيهاً أو من عنده أمر أن يخبر الناس أنه نصحه؟
أيلزمه أن يظهر نصيحة الخاصة للعامة؟
هذا ليس من منهج أهل السنة ، وإنما هو إرغاء وتشويش وفتنة وهمجية، معناها أن يحول الناس إلى جدال وخصام واصطدام.
وأهل السنة لهم طريق آخر في نصيحة العامة، فهم ينصحون العامة على ملأ من الناس، فيبينون أخطاءهم بلا أسماء وبلا أشخاص. فقد كان إمامهم صلى الله عليه وسلم يرى الخطأ فلا يقول للرجل أخطأت، ولكن يصعد المنبر فيقول: (ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا) (1) ، وهكذا ينبغي، فصاحب الخطأ يدرك خطأه وهو جالس وهو مستور والحمد لله فيصحح مساره، أما أن تخبر باسمي وبحارتي وبعنواني الهاتفي! وتلقي في المحاضرة! فأنا سوف أعمى تماماً، أنا سوف أسن سلاحي وأنتقم، أنا سوف أدافع عن كرامتي إلى آخر قطرة من دمي.
لأن لكل إنسان مكانة، ومن الذي لا يرى مكانته؟
من الذي يحتقر نفسه؟
ومن الذي لا يرى أنه ينبغي أن يحترم بقدر ما فيه من الخير؟
فمن آداب النصيحة في الإسلام عند أهل السنة والجماعة أن تخلص النصيحة لوجه الله وأن يكون لك بذلك مقاصد:
المقصد الأول: أن تبرئ ذمتك من هذه النصيحة التي في عنقك ولا تكتم العلم: ((إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُوْلَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ)).
والمسلمون أمام هذه الآية ثلاثة أقسام:
صنف يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر بلا منكر، ويعطي كل مسألة حجمها ومساحتها. فالعقيدة لها حجم كبير، والسنن في حجمها، فهو مهتد على منهج رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو خليفة النبي صلى الله عليه وسلم، ووارث علم النبوة، وهو الذي يصلح الله به، وهو الذي يستمر، وهو كالشجرة التي تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، وهو كالعين النابضة بالحياة، وهو كالمشكاة التي تلقي نورها، وهو كالشمس، وهو وهج في ظلام الليل.
وقسم آخر: أطلق الحبل، وفلت الأمور، وأكثر المعاريض، وخندق الطريق.
يرى المنكرات كالجبال فيقول: لا. الإسلام ليس دين تطرف ولا تزمت! لا تنكروا على أحد! فكلنا على خير، وكلنا مأجورون، والله غفور رحيم، ولا تنكروا ولا تشوشوا علينا ولا تثيروا الخلاف.
قلنا: حنانيك يا بارد القلب، حنانيك يا ميت الروح، فالغيرة ماتت في روحك فأنت لا تتحرك.
ولذلك بعض الناس كأنه في ثلاجة، يرى المنكرات كالجبال ولا يتمعر وجهه، ولا يتغير، ولا يقول كلمة ولا يتنفس بلفظة، بحجة أن الإسلام يسر، وأن الإسلام دين عدالة، ودين تراحم، ودين تآخ، وهذه كلمة حق أراد بها باطل.
وقسم ثالث: أفرط حتى خرج من السطح! فهو يقيم الدنيا ويقعدها على جزئية اختلف فيها أهل العلم، ويضارب الناس في المساجد! ويلقي محاضرة بعد الصلاة يبكي ويبكي الناس ويصيح في الميكروفون على مسألة جزئية قال فيها أبو حنيفة بقول وخالفه مالك ، فأين إنزال المسائل منازلها: ((وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا)).
بعضهم يقول فلا يشغل باله إلا كلمة صدرت من شاب، أو تصرف من شاب، فيجعلها قضية ويعممها ويكبر الأخطاء، وينسى ما هو أكبر منها، ((إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ)).
أحد السلاطين الظلمة رآه أحد الوعاظ فقال له: لي إليك حاجة، أسألك بالله أن أناجيك في حاجتي؟
قال: تفضل، والسلطان هذا سفاك للدماء، يذبح الناس كذبح الدجاج، يأكل الربا، زانٍ مجرم، طاغوت، فظن هذا السلطان أن هذا الواعظ سوف يتحدث له عن الدم الذي سفك، أو عن الزنا، أو عن الربا، أو عن تعطيل الشريعة، فدخل معه في مكتبه، قال: ماذا رأيت؟
قال: جنودك يسبلون ثيابهم! قال: لعصر أنتج مثلك وأمثالك حقيق أن تنتج جنوداً يسبلون ثيابهم! هذه هي القضية كلها. تأتي إلى المسألة الجزئية وتنسى الكبار، تجعلها قضيتك!
والمقصد الآخر: أن يكون قصدك أن تكون كلمة الله هي العليا، ليبقى الدين قوياً، وأن تفرح إذا سمعت بموجه، أو برجل صالح، أو بمنفق، أو بداعية، أو بعالم يتكلم ويدعو، أن تحمد الله عز وجل، وأن تسأل الله له الثبات والاستقامة، والعون والسداد.
ومن آداب أهل السنة في النصيحة:
أنهم ينصحون بلين، أي بكلمة حانية، بكلمة طيبة، يقول سبحانه وتعالى وهو يذكر نصيحة إبراهيم عليه السلام لأبيه المشرك: ((يَا أَبَتِ))، ما قال: لا تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئاً، إنما قال: (يا أبت)، ثم كرر: (يا أبت) مرات: يا أبت، يا أبت، يا أبت. وهذا من اللطف.
وقال لقمان لابنه: يا بني، فأخذ من ذلك بعض العلماء، أن عليك أن تقدم مقدمات للمنصوح.
فإن أخطأ عالم من العلماء، لا تقل: يا فلان أخطأت، لا، بل قل: أنت صاحب فضل وأنت صاحب خير، ونفع الله بك، وقد شفى الله بك العليل، وأروى الغليل، وأفاد الأمة، ولكن ما رأي سماحتكم في هذه المسألة؟
أما أن تصدمه بالرد صدماً على وجهه، فكيف يقبلها؟
قال ابن المبارك بيتين في أدب الدعاة وأدب النصيحة:

إذا صاحبت قوماً أهل ود فكن لهم كذي الرحم الشفيق


ولا تأخذ بزلة كل قوم فتبقى في الزمان بلارفيق


وذكر الشيخ الإمام عبد الرحمن بن ناصر السعدي ، العلامة الشهير رحمه الله، قاعدة عن ابن تيمية رحمه الله، قال: يقول شيخ الإسلام : بعض الناس كالذباب، لا يقع إلا على الجرح. فالذباب وأنت بثيابك البيضاء النظيفة وبطيبك وبمظهرك، لا يقع عليك، لكن إذا رأى جرحاً في جسمك انصب عليه ووقع عليه، وبعض الناس يترك المحاسن، وينسى الفضائل ويقع على منقصة أو عيب، كما يفعل الذباب إذا انطلق إلى هذا الجرح.
دخل واعظ على المأمون ، والمأمون علامة، ذكي من أذكياء الدنيا، ولكنه قائد ركب القوم بخلق القرآن والله يحاسبه.
فقال: يا أمير المؤمنين، إني واعظك لكني مشدد عليك.
قال: والله لا أسمع لك، والله لا أسمع لك، والله لا أسمع لك.
قال: ولم؟
قال: أرسل الله من هو خير منك إلى من هو شر مني، فقال: ((فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا)).
إن بإمكانك أن تصادر بعض الكلمات الجارحة وأن تستبدل بعض الكلمات الحميدة الطيبة، وإنني أشكر بعض الفضلاء في الساحة، يوم كتبوا بعض الكتب والرسائل والأشرطة فيها من الأدب، وفيها من الروعة، وفيها من العلم، ما الله به عليم. ومن أراد أن يرى مثلاً حياً لأدب الدعوة، وأدب النصيحة، وأستاذاً معلماً في هذا الباب، وهو لا زال على قيد الحياة، فلينظر إلى سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ، فهو رجل في الثمانين من عمره، يتكلم بالكتاب والسنة، عطف الله عليه القلوب، كلمته طيبة ولينة تصل إلى القلوب مباشرة.
ومن آداب أهل السنة في النصيحة:
أنهم يسرون بها في موضع الإسرار، قال الشافعي :

تعمدني بنصحك في انفراد وجنبني النصيحة في الجماعة


فإن النصح بين الناس نوع من التوبيخ لا أرضى استماعه


فإن خالفتني وعصيت أمري فلا تجزع إذا لم تعط طاعة


أتنصحني أمام ألف؟
وتخبر أني أخطأت؟
أوصلت بيتي؟
أكتبت لي رسالة؟
أطرقت على الباب؟
هل جلست معي؟
هل أشفقت علي؟
فطبيعة الإنسان أنه إذا رأى الخصام والجدل فلن يقبل، وسوف يغلق منافذ السمع.
إذن فـأهل السنة يسرون بالنصيحة في موضع الإسرار، يسرون بها كتابة، أو باتصال، أو بجلسة، إذا علم أن المنصوح من أهل السنة وهو الذي لا يريد إلا الخير بدعوته، ويعلم الله أنه يريد بدعوته الصلاح لأمة محمد صلى الله عليه وسلم. فحقيق على الناصح أن يسر النصيحة.
ولكن قال بعض علماء السنة: من شهر بنا شهرنا به، فإنسان يدعي بدعاً ويهاجم الدين من على المنبر، أو في صحيفة، أنرد عليه سراً؟
فهو يشتمنا نهاراً ونرد عليه ليلاً؟
لا، فالسلاح بالسلاح، ((وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ)).
ما دام شهر بنا شهرنا به، لأن الناس سمعوا كلامه، كرجل كتب معتقداً بدعياً ونشره في الصحف، حق علينا أن نأتي بهذه الصحف، وننشر ردنا الصادق الناصح لأنه شهر بكلامه، لكن إنسان وقع في بدعة، لا يعلم إلا أنا أو أنت به فالواجب أن أذهب إليه بيني وبينه، ولا أكتب في صحيفة ببدعته، لأنه قد يتوب.
سئل أحد العلماء الأحياء: أما رددت على فلان؟
قال: ليس من منهجي هذا، قالوا: ما هو منهجك؟
قال: منهجي أن أكتب للذي أريد الرد عليه بيني وبينه، فإن استجاب لي فبها ونعمت، والحمد لله قد حصل المطلوب، وإن رفض الاستجابة أعلنت الرد عليه لينتبه له الناس، هذا هو المنهج السليم.
فهدي أهل السنة في النصيحة أنهم لا يتفاضحون بها، ولا تصبح مسبة.
ومن آداب النصيحة في الإسلام:
أن تعمل بالنصيحة التي توجهها للناس لعل الله أن ينفع بها، ((أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ)) لماذا تتكلم كلاماً جميلاً وتعمل فعلاً قبيحاً؟
قال شعيب خطيب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وعليه: ((وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ)).
يقول: لا أريد أن أدلكم على الهدى وأنا ضال، وعلى الهداية وأنا متخلف، وعلى النور وأنا في الظلام.
فإذا أردت أن ينفع الله بدعوتك ونصيحتك، فاعمل بها أنت أولاً، قال سبحانه وتعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ)).
وهذه أكبر القواصم التي يتعرض لها الداعية في الحياة، أن يتكلم بكلام جميل ولكن فعله قبيح، فيكذب فعله قوله فلا يتقبل الناس منه ولا يجعل الله لكلامه تأثيراً ولا نوراً.
في الصحيحين من حديث أسامة رضي الله عنه وأرضاه: (أن الرسول صلى الله عليه وسلم ذكر رجلاً: يدور في النار كما يدور الحمار بالرحا وقد اندلقت أقتابه، والأقتاب هي الأمعاء، يدور بها كما يدور الحمار بالرحا في نار جهنم، فيقول له أهل النار: يا فلان، أما كنت تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟
قال: نعم، كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه
) (1)
قال بعض العلماء معلقاً على الحديث، وهو تعليق لا بد أن يفهم، قال: ما دخل النار بسبب أمره ولا بسبب نهيه، إنما دخل النار بسبب مخالفته أمره ونهيه، ولذلك تجد بعض الناس عنده ورع بارد بالدعوة صامت مظلم، يقال له: ما لك لا تدعو؟
فيقول: أخشى من صاحب الرحا في نار جهنم، أخشى أن أدور بالرحا!
قال أبو هريرة لرجل: ألا تحفظ القرآن؟
قال: أخشى أن أحفظه فأنساه، قال: كفى بك نسياناً أنك ما حفظت من أول الطريق، ولذلك بعضهم عنده ورع بارد لا يأمر ولا ينهى ولا ينصح، ولا يتحرك بالدعوة بحجة أنه يخشى أن يكون من هذا الذي يدور برحاه في نار جهنم، المقصود: أن الحديث لام هذا الرجل لأنه خالف، أما إذا أمر وائتمر، ونهى وانتهى، فهو مأجور.
فمن أدب النصيحة أن تعمل بها قبل أن تنصح الناس، وإذا وقعت في خطأ أن تسدد وأن تقارب، وبعض الناس يظن أن الداعية عليه أن لا ينصح حتى يصبح معصوماً، أو لا يخطئ أبداً، أو لا يذنب، كأن الداعية هذا إذا وقع في خطأ بسيط ارتكب الجرائم وخرج من الملة، ولذلك خطأ الدعاة مضخم وحسناتهم مصغرة، للداعية تسع وتسعون حسنة ولكنها تنسى، وله سيئة ولكنها كالجبل، إن هذا الأمر عجيب!!
قال عامر الشعبي : والله الذي لا إله إلا هو، لو أحسنت تسعاً وتسعين لنسوها ولعدوا علي غلطة واحدة.

تريد مهذباً لا عيب فيه وهل طيب يفوح بلا دخان


إذاً لمن العصمة؟
لمحمد صلى الله عليه وسلم، والدعاة ليسوا معصومين في الإسلام، فقد يخطئون لكنهم يراجعون خطأهم، ويتوبون إلى الله الواحد الأحد.
ومن آداب النصيحة عند أهل السنة :
أن تتثبت من الشيء المنقول إليك: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ))، منهج رباني عظيم، شيء مقدس، يا لجلالة المنهج! يا لعظمة هذا المبدأ!
يا مسلم إن جاءك خبر فارصده وتأكد منه: ((وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا)) ولذلك أتى الحذر من كثرة الشائعات في المجتمع المسلم. كلمات تنقل لا أساس لها تثار بها الضغينة ويستل بها الحسد، ويؤسس بها الحسد والبغضاء بين المسلمين، ومصدرها شائعات آثمة خاطئة.
أسألك يا مسلم بمن خلقك فسواك فعدلك، أسألك بمن جعل لك عينين ولساناً وشفتين، أن تعرف أنك إن لم تتثبت من الأنباء، وتتثبت من الشائعات فسوف تضيع دينك ولا محالة، فإذا أتاك خبر عن مسلم عليك أن تتأكد هل قاله أم لا، تسأله وتحتاط حتى تكون على بصيرة، لأن الشائعات كثرت.
وقاتل الله أهل النميمة، قال صلى الله عليه وسلم: (لا يدخل الجنة قتات) (1) وفي لفظ: (نمام)، وهو الذي يفسد بين الأحباب، وهو الذي يطلب المعائب، وهو الذي يأتي بالأراجيف بين الأحبة، مقصوده هدم المجتمع المسلم.
فمن آداب النصيحة عند أهل السنة ، أنهم يتثبتون من الشائعات، حتى ينكروا أو يأمروا على بصيرة، فإذا أمروا ونهوا كانوا على قدم ثابتة مما قالوا، ومما فعلوا.
كان صلى الله عليه وسلم إذا أتته الأخبار سأل وتثبت صلى الله عليه وسلم، واحتاط حتى يبلغ به العلم اليقين، قال تعالى: ((وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا)) وكثير من الناس إن يظنون إلا ظناً، وما هم بمستيقنين، وقد رأينا بعض الناس يتقول على فضلاء ونبلاء، فإذا سألته: هل سمعته؟
قال: لا، قال لي فلان، فتذهب إلى فلان وتقول: هل قال لك؟
فيقول: قال لي فلان، فتذهب إلى فلان فيردك على فلان، فهو سند إسرائيلي، من الإسرائيليات معنعن بالمجاهيل والمناكير من أوله إلى آخره!
وهذه وكالات أنباء عالمية، اسمها وكالة (يقولون)! وهي تفسد القلوب، وتشتت الأرواح، وتأتي بالأخطاء للفضلاء والنبلاء، وتستحدث الخصومات وتعتمل المعارك بدون أن يكون لها أي أساس، قال صلى الله عليه وسلم فيما صح عنه: (كفى بالمرء إثماً أن يحدث بكل ما سمع) (1)
ومن آداب أهل السنة في النصيحة:
أنهم يصبرون على الأذى، فأحدهم ينصح بلين ولكن نتائج النصيحة لا ندري هل تتحقق أم لا؟
لأن المنصوحين ليسوا على طبقة واحدة، فبعضهم يفتح قلبه لك، ويفتح بابه ويعانقك، وبعضهم يردك من عند الباب، ويكشر في وجهك، وبعضهم يرفع صوته، ولذلك قال لقمان عليه السلام لابنه: ((يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ))، فأتى بالصبر بعد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
ومن آداب النصيحة عند أهل السنة والجماعة:
أن ينزل المسائل منازلها بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد سبق شيء من هذا، لكن أقول: إن منهج القرآن يعطي المسألة حجمها، فالعقيدة أخذت ثلاثة أرباع القرآن، والغيبة في آية أو آيتين، وغض البصر في آية، وخفض الصوت في آية، فلماذا تضخم أنت الجزئيات حتى تطغى على الكليات؟
وتقلل الكليات حتى تصبح جزئيات؟

فوضع الندى في موضع السيف بالعلى مضر كوضع السيف في موضع الندى


أتى صلى الله عليه وسلم الحرم المكي، يدعو بلا إله إلا الله محمد رسول الله في قوم لا يعرفون الله، يشربون الخمر، يأكلون بالشمال، يزنون، يتعاملون بالربا، يسبلون.
أفمن الحكمة أن يقول: إن الإسبال حرام!؟
أيستمع له أبو جهل و أبو لهب إذا قال: السنة أن يكون الثوب فوق الكعبين. وهل المسألة مسألة الثياب الآن؟
أيستمع له لو قال: الخمر حرام؟
لا، المسألة أعظم من ذلك، المسألة مسألة عقيدة.
ولذلك تجد بعض الناس يذهب إلى بعض الوثنيين، فيكلمهم في تربية اللحى!
ومثل هذا الذي يركز على الجزئيات مثل رجل أتى إلى بيت مهدم من كل جهة، ملطخه بالألوان والبويات فأظهره أنه جديد، وهو بيت مهدم، ((أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ)) تأتي إلى قوم لا يصفون في المسجد، فتقول: يا فلان رأيتك قبل أسبوع تأكل باليسار! وقد ورد فيه أحاديث في صحيح البخاري و مسلم ، وهو لا يعترف بك ولا بـالبخاري ولا بـمسلم ، ولا بالمسجد.
فابدأ بالتدرج. ودليله ما في الصحيحين من حديث معاذ ، أن الرسول صلى الله عليه وسلم أرسله إلى اليمن فقال: (إنك سوف تأتي قوماً أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، ثم قال: فإن هم أجابوك لذلك، فأخبرهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة) (1) ، ثم سرد معه الحديث المتفق عليه، هذا من أحسن المناهج التي يجب على المسلم أن يطبقها في الحياة (1) .
ومن آداب النصيحة عند أهل السنة :
أنهم يعرفون حال المنصوح. فالذي تريد أن تنصحه تعرف مشاعره، مكانته، عمله، المشكلات التي يعيشها، بيئته. هذه هي الحكمة.
لقد وصلنا إلى بعض الجهات فسأل منهم شيخ في الستين من عمره قال: هل الغسل من الجنابة واجب!؟
قلنا: نعم، فالتفت إليه شيخ مثله وقال: كلما أتيت أهلك تغتسل، أين الماء الذي يكفي!؟
يعني يقول: تصدق هؤلاء المطاوعة؟
كلما جئت أهلك تغتسل فأين الماء الذي يكفيك!!
فهل يعقل أن يأتي داعية إلى هؤلاء الناس فيتكلم إليهم عن مشكلات البنوك الربوية، أو يأتي إلى هذا المجتمع ويتكلم في مشكلة الخدم والخادمات، وهم لا يعرفون الخدم ولا الخادمات ولا خروج المرأة مع السائق!
فحالة البيئة ومعرفة مع من تتحدث من آداب أهل السنة إذا تحدثوا مع المدعو في النصيحة، تأتي إلى إنسان يشعر بمكانته وكرامته فتهين كرامته تحت رجليك ثم تقول: اتق الله!! إن لم تتق الله ليقصمنك الله وليعذبنك عذاباً ما عذبه أحداً من العالمين!. هذا لا يليق، بل أعطه مكانته، خاطبه بألفاظ الوقار وألفاظ التبجيل، والتوشيح.
لذلك كان هذا منهجه صلى الله عليه وسلم، يأتيه أعرابي من صناديد العرب فينكر الدين، فيعطيه صلى الله عليه وسلم مائة من النوق، وفي اليوم الثاني يعطيه مائة، وفي اليوم الثالث يعطيه مائة، فيقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك رسول الله، فلا بد أن نقدم خدمات للناس حتى نرقق القلوب ونجمع الشمل.
بعض الشباب كانوا في سكن جامعي، وكان عندهم شاب جار لهم يترك الصلاة في المسجد، ويمرض ويصحو لا يزورونه، مهمتهم فقط أنه إذا حانت الصلاة يضربون بابه ضرباً: صل يا عدو الله! صل قاتلك الله! ثم يخرجون، فإذا خرجوا نزل أحدهم وقال: اللهم إني أبرأت ذمتي وإني دعوت إليك!!
مرض هذا الشاب وزاره أحد الدعاة في المستشفى وقال: يا أخي هذا المرض درس لك في الحياة، أرى أن تتوب إلى الله، وأن تأتي إلى المسجد، وما تطلبه مني فأنا أخوك وأنا صاحبك، وأنت لا زلت في الإسلام، وأسرتك مسلمة، وأعطاه من المحاضرات.
قال: يا أخي كيف أهتدي مع هؤلاء الجيران، والله ما زاروني، ووالله لقد احتجت إلى سيارة أحدهم يوماً من الأيام فما فعل، وأحتاج إلى قرض من المال لكنهم لم يقرضوني، لا يعرفون إلا ضرب الباب مع كل صلاة، أريد أن أصلي لكن أتذكر أفعالهم معي فأبقى على السرير.
ولذلك بعض الأعمال تحبط المدعو، تجعله لا يستجيب، ينكى في قلبه بنكايات، فيريد أن يقوم فيرفض قلبه ويقول: لا تقم، لأنهم ما قدموا له شيئاً، وما قدموا رصيداً.
الرسول صلى الله عليه وسلم كان يتلطف بالمدعو أياماً، يقول صفوان : (يا رسول الله! أو يا محمد، أمهلني شهراً حتى أفكر في هذا الدين، فقال صلى الله عليه وسلم: لك أربعة أشهر، فأتى وقال: لا إله إلا الله محمد رسول الله) (1) .
وأحد الجاهلين من اليهود اسمه ابن سعنة ، ذكره المؤرخون، قرأ التوراة فرأى أوصاف الرسول صلى الله عليه وسلم إلا وصفاً واحداً، أنه صلى الله عليه وسلم إذا أغضب زاد حلماً، كلما زدته غضباً ازداد حلماً، فأراد أن يجرب، رأى الرسول صلى الله عليه وسلم فرآه أبيض مشوباً بحمرة، النور في وجهه، فذهب فأتى بمال وقال: يا محمد عندي مال وأنت في حاجة إلى المال خذه مني سلفة، اقترضه مني إلى حين، فأخذه صلى الله عليه وسلم مقترضاً منه لحاجة، وقبل أن يحل الموعد، أتى اليهودي في صلاة العصر، والناس مجتمعون مع الرسول صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد اقض لي مالي، إنكم قوم مطل يا بني عبد المطلب، يعني تماطلون صاحب المال، قال: اقض مالي، ثم غضب ورفع صوته، فقام عمر ليقتله فأسكته صلى الله عليه وسلم، وقال: (يا عمر أنت كنت أولى أن تأمرني بحسن القضاء وتأمره بحسن الاقتضاء)، ثم قام صلى الله عليه وسلم، وكلما رفع اليهودي صوته كلما تبسم صلى الله عليه وسلم، وذهب به فأعطاه ماله وزاده.
فقال اليهودي: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك رسول الله، قرأت كل صفة فيك فرأيتها كما قرأتها إلا صفة، أنك كلما أغضبت ازددت حلماً، فرأيتها اليوم، فأنت رسول الله لا محالة (1) ((قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ)).
فيا أخي المسلم، هذه معالم النصيحة أو آداب النصيحة في الإسلام لمن أراد أن يكون ناصحاً، ولينفع الله بنصيحته وليهدي الله بدعوته، وليستمر قائلاً ونافعاً ومفيداً ومؤتياً ومطلوباً ومقبولاً.
والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد! وآله وصحبه وسلم.


   
   
   هذا المقطع مستل من كتب المشرف العامولكن كونوا ربانييننصائح للناصحين